محمد بن جرير الطبري
393
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فإنكم أعوان الله ، والله ناصر من نصره ، وخاذل من كفره ، ولن يؤتى مثلكم من قله ، وانما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب ، فاحترسوا من الذنوب ، واجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل رجل منكم بأصحابه . وبلغ ذلك هرقل ، فكتب إلى بطارقته : ان اجتمعوا لهم ، وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن ، واسع المطرد ، ضيق المهرب ، وعلى الناس التذارق وعلى المقدمة جرجه ، وعلى مجنبتيه باهان والدراقص ، وعلى الحرب الفيقار ، وأبشروا فان باهان في الأثر مدد لكم ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهي على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقا لهم ، وهو لهب لا يدرك ، وانما أراد باهان وأصحابه ان تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين ، وترجع إليهم أفئدتهم عن طيرتها . وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذي اجتمعوا به ، فنزل عليهم بحذائهم على طريقهم ، وليس للروم طريق الا عليهم فقال عمرو : أيها الناس ، أبشروا ، حصرت والله الروم ، وقلما جاء محصور بخير ! فأقاموا بإزائهم وعلى طريقهم ، ومخرجهم صفر من سنه ثلاث عشره وشهري ربيع ، لا يقدرون من الروم على شيء ، ولا يخلصون إليهم ، اللهب - وهو الواقوصة - من ورائهم ، والخندق من امامهم ، ولا يخرجون خرجه الا اديل المسلمون منهم ، حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول ، وقد استمدوا أبا بكر واعلموه الشان في صفر ، فكتب إلى خالد ليلحق بهم ، وامره ان يخلف على العراق المثنى ، فوافاهم في ربيع . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحه وعمرو والمهلب ، قالوا : ولما نزل المسلمون اليرموك ، واستمدوا أبا بكر ، قال : خالد لها فبعث اليه وهو بالعراق ، وعزم عليه واستحثه في السير ، فنفذ خالد لذلك ، فطلع عليهم خالد ، وطلع باهان على الروم ، وقد قدم قدامه الشمامسه والرهبان والقسيسين ، يغرونهم ويحضضونهم على القتال ، ووافق قدوم خالد